التفاصيل :
الفساد وعلاقته بالسلطة
'لورد اكتون' قال جملته التي أصبحت
الموجه الأساسي في تحليل ومواجهة الفساد في أي مجتمع يحاول السيطرة على هذا المرض
المجتمعي الذي عانت منه البشرية منذ بداية نشوء مفهوم "السلطة"
لورد اكتون قال في مطلع القرن العشرين
ان " السلطة تميل إلى الفساد، والسلطة المطلقة فساد مطلق"
كل تعريفات الفساد والفكر الذي يبحث عن
مواجهته يركز حول ذلك المفهوم
أكثر تعريف دقة واختصار هو تعريف منظمة
الشفافية الدولية التي تعتبر المنظمة الأهم في قياس الفساد وصياغة الوسائل
لمواجهته
يقول التعريف "الفساد هو سوء
استخدام السلطة المؤتمنة للحصول على مصالح خاصة"
الملاحظ في هذا التعريف ان كل كلمة
تحمل معنى عميق ودقيق!
لهذا، لابد من اي جهد لمكافحة الفساد
ان يبدأ من هنا.. كيف نستطيع أن نراقب ونعاقب اي سوء استخدام للسلطة؟ وطبعا هناك
مستويات متعددة 'للسلطة'، بداية من عسكري المرور الذي يقرر (او لا يقرر) ان يعمل
مخالفة والموظف الصغير الذي يحتاج ان يوقع على وينفذ معاملات صغيرة.. إلى ان تصل
إلى رئاسة الدولة (او اي كيان) التي بيدها احيانا كثيرة 'سلطة مطلقة' في اتخاذ
القرارات او السياسات.. مرورا بالعديد من درجات السلطة في مركز الدولة او أطرافها
هناك أمثلة عديدة عن كيف حاولت الحضارة
البشرية صياغة الانظمة في الدولة منذ قرون.. مثلا عند قيام البرلمان البريطاني
الذي أسس بدرجة اساسية لمراقبة الضرائب التي يفرضها العرش على المجتمع (لا ضرائب
بدون تمثيل) إلى قيادات في الحضارة الاسلامية التي اعتمدت كثيرا على ارادة ونزاهة
القائد (الحاكم)
مع تطور أنظمة الحكم في القرنين
الماضيين تطورت آليات المراقبة والمحاسبة على السلطة وأدخلت مفاهيم عديدة لذلك
ومنها البرلمانات والقوانين وأجهزة الرقابة المتخصصة على مختلف أدوات السلطة مثل
المالية والقرارات التنظيمية للدولة وسياساتها تجاه الحقوق العامة والخاصة
وهنا نلاحظ الفرق الشاسع اليوم بين
الدول التي طورت انظمتها لضبط السلطة ومن هي في طريقها ومن لازالت في أول طريقها..
ونظرة سريعة نلاحظ ملازمة التطور بمستوى المعيشة وإنتاجية المجتمع ورضاءه بالدولة..
طبعا مع بعض الاستثناءات في الدول الريعية التي لا تعتمد على إنتاجية المجتمع لتطورها..
ومع ذلك فشلت الكثير من الدول الريعية بسبب السلطة المطلقة الغير نزيهة ولا
مراقبة.. ليبيا والعراق وفنزويلا!
من المؤكد ان مكافحة الفساد لابد أن
يتركز على بناء منظومة النزاهة في الدولة وهذه قضية تحتاج إلى شرح طويل ولابد من
شرحها ونشرها على المجتمع المهتم.. ورأينا الكثير منن يدعون انهم "مكافحي
الفساد" يركزون فقط على "الملاحقة" لكسب الشعبوية مع ان الملاحقة
للفاسدين هي جزء يسير من أنظمة مكافحة الفساد.. ولا تجدي كثيرا بدون استراتيجية
أشمل في بناء النزاهة في الدولة
أين نبدأ؟
كل الدراسات تؤكد ان البداية هي اولا
في إيجاد "الارادة السياسية".. وثم اتباع استراتيجية منهجية وعلمية
معلنة تستوعبها كل مستويات "السلطة".. هذا هو التحدي الحقيقي! هل يأتي
من يملك "سلطة مطلقة" وينشئ منظومة تراقبه وتحاسبه على تصرفاته؟؟
معظم تلك القيادات في السلطة تعمل على
استمرار تلك السلطة المطلقة وعدم تعطيلها بالمساءلة والمراجعة
نعود ونؤكد "السلطة المطلقة فساد
مطلق"
د سعد الدين بن طالب